تحت ضغوط الإمدادات العالمية المحدودة، يغدو الهيليوم، العنصر الخفيف الخامل، عصبًا حيويًا للعالم الحديث.
### أزمة الإمدادات تربك المختبرات العلمية
خلال أزمة نقص الهيليوم المفاجئة التي ضربت عام 2022، وجدت نانسي واشنطن وفريقها في مختبر شمال غرب المحيط الهادئ أنفسهم عاجزين عن الحصول على إمدادات الغاز التي تحتاجها أجهزتهم الحيوية. مع انخفاض الإمدادات المعتادة بأكثر من النصف في غضون أشهر، اضطرت المختبرات إلى تقنين استخدام الهيليوم، مما أثر على عملياتها التجريبية بشكل ملموس، وأدى إلى تعطيل مطياف الرنين المغناطيسي النووي، أهم أجهزتهم وأكثرها تطورًا.
### استخدامات الهيليوم: بين التكنولوجيا والطب
يشكل الهيليوم العمود الفقري للعديد من الصناعات المتقدمة، بدءًا من تبريد أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفيات، إلى صناعة أشباه الموصلات، وحتى تطبيقات الفضاء والمناطيد. ولكن ما يميز الهيليوم هو خصائصه الفريدة، فهو غاز خفيف، عديم الرائحة، وغير قابل للاشتعال. عند تبريده، يتحول إلى سائل بدرجات حرارة شديدة الانخفاض، مما يجعله ضروريًا لتشغيل الموصلات الفائقة مثل تلك المستخدمة في المرافق البحثية الكبيرة كـ”مصادم الهدرونات الكبير”.
رغم ذلك، يظل توافر الهيليوم محدودًا، لكونه لا يتجمد أو يُحتجز بسهولة، وغالبًا ما يتسرب من الغلاف الجوي إلى الفضاء الخارجي، مما يزيد من التحديات المتعلقة بتوريده والحفاظ عليه.
### تحديات هيكلية في سلسلة التوريد
ما بين حرائق المصانع في روسيا، والأوضاع الجيوسياسية مثل الحرب في أوكرانيا، والصيانة الطارئة للمنشآت في قطر، عانت سلسلة توريد الهيليوم العالمية من صدمات شديدة تسببت في أزمات نقص متكررة. امتد التأثير إلى أسواق الطاقة والطب على حد سواء، حيث وصل سعر الغاز إلى أعلى مستوياته التاريخية، مما سلط الضوء على الهشاشة الكبيرة لهذا المورد.
ومما زاد الطين بلة، قرار الولايات المتحدة تصفية احتياطيها الاستراتيجي من الهيليوم، وبيعه لشركة تجارية، وهو ما أثار قلق الأكاديميين والمنظمات الصحية من ارتفاع التكاليف أو نقص الكميات اللازمة للرعاية الصحية والتكنولوجيا.
### جهود لمواجهة التحديات
في ظل هذه المعضلة، بدأت العديد من المؤسسات البحثية والشركات الصناعية في العمل على تطوير تقنيات تعتمد على كميات أقل من الهيليوم أو حتى التخلص من الحاجة إليه تمامًا. على سبيل المثال، تم تدشين أجهزة تصوير بالرنين المغناطيسي ذات استهلاك منخفض للغاية، إلا أنها لم تُطرح بشكل واسع بعد نظرًا لتكاليفها المرتفعة وكفاءتها المغناطيسية المحدودة مقارنة بالتقنيات التقليدية.
إلى جانب ذلك، تم تبني أنظمة استعادة الهيليوم التي تهدف إلى إعادة تدوير الغاز المفقود أثناء الاستخدام، مما يفتح آفاقًا جديدة لتحقيق الاستدامة. تشير التقديرات إلى أن استعادة الغاز قد تقلل من الهدر بنسبة تصل إلى 90%، مما يسهم في حماية الإمدادات على المدى الطويل.
### مستقبل غامض للهيليوم
الأفق القريب يحمل بعض الأمل، مع اكتشاف احتياطيات كبيرة جديدة في تنزانيا وحوض خليج بوهاي في الصين. ومن المرتقب دخول أول مشروع مستقل لاستخراج الهيليوم حيز التنفيذ بحلول عام 2025، بحيث يعتمد على استخراج الغاز حصريًا دون إنتاج ملوثات إضافية كمنتج ثانوي. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يُسهم مصنعًا جديدًا في قطر، والذي يتم العمل عليه حاليًا، في تعزيز الإنتاج بحلول عام 2027.
لكن، كما يؤكد الخبراء، فإن هذه الجهود، رغم أهميتها، ما زالت تواجه تحديات تمويلية، زمنية، وتقنية. الحل الأمثل للمحافظة على هذا المورد النادر قد يتطلب عمليات بحث واستكشاف أكثر تنظيمًا، مع تمويل يتناسب مع القيمة التي يمثلها هذا الغاز للعالم بأسره.
### هيليوم الغد: هل يكون في متناول الجميع؟
رغم الخطوات الحثيثة لمواجهة أزمة الهيليوم، يبقى هذا المورد النفيس مهددًا، ويرتبط استقراره بتنفيذ تدابير مستدامة. كما قال العلماء، فإن الحفاظ على الهيليوم ضرورة ليست فقط من أجل التكنولوجيا، بل لضمان استدامة حياة الإنسان في العديد من المجالات الحيوية.